الجاحظ
107
الحيوان
تنحطّ انحطاط الصخور ومتى التقت أمّة من سباع الطّير أو جفالة [ 1 ] من بهائم الطير ، أو طرن على عرقة [ 2 ] وخيط ممدود ، فكلّها يعتريها عند ذلك التّقصير عما ما كانت عليه ، إذا طارت في غير جماعة . ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام ؛ فإنّهنّ كلما التففن وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ ، وقد ذكر ذلك النّابغة الذّبيانيّ في قوله [ 3 ] : [ من البسيط ] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت * إلى حمام شراع وارد الثّمد [ 4 ] يحفّه جانبا نيق ويتبعه * مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد [ 5 ] قال : ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتا ونصفه فقد [ 6 ] فحسبوه فألفوه كما حسبت * تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكمّلت مائة فيها حمامتها * وأسرعت حسبة في ذلك العدد قال الأصمعيّ : لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته ، شدّد الأمر وضيّقه عليه ؛ ليكون أحمد له إذا أصاب ؛ فجعله حزر طيرا ، والطّير أخفّ من غيره ، ثمّ جعله حماما والحمام أسرع الطّير ، وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهنّ ؛ وذلك أنّه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة . وقال : يحفّه جانبا نيق ويتبعه ، فأراد أنّ الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتّسع عليه الفضاء . 690 - [ غايات الحمام ] وصاحب الحمام قد كان يدرّب ويمرّن وينزل في الزّجال ، والغاية يومئذ واسط [ 7 ] . فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطّريق وتعريفه الورود والتحصّب [ 8 ] ، مع بعد الغاية ؟ !
--> [ 1 ] الجفالة : الجماعة من كل شيء « القاموس : جفل » . [ 2 ] العرقة : السطر من الطير وكل مصطفّ « القاموس : عرق » . [ 3 ] ديوان النابغة الذبياني 23 - 25 ، ومنه استقيت شرح الأبيات التالية . [ 4 ] احكم : كن حكيما في أمرك ، مصيبا في الرأي ، ولم يرد الحكم في القضاء . فتاة الحي : زرقاء اليمامة . الشراع : القاصدة إلى الماء . الثمد : الماء القليل . [ 5 ] النيق : الجبل . وقوله « وتتبعه مثل الزجاجة » ، أي عينها صافية كصفاء الزجاجة . وقوله « لم تكحل من الرمد » ، أي لم يصبها رمد فتكحل . [ 6 ] فقد : أي حسبي . [ 7 ] واسط : اسم لعدة مواضع ، أعظمها وأشهرها واسط الحجاج ، سميت بذلك لأنها متوسطة بين البصرة والكوفة . معجم البلدان 5 / 347 . [ 8 ] تحصّب الحمام : خرج إلى الصحراء لطلب الحب « القاموس : حصب » .